الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

543

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ويكون قوله « وعزته » معطوفا على « وشدة » والضمير فيه راجع إلى الموصول وهو « ما » في قوله « ما يعنتهم » والهاء الثانية في « عليه » عائدة على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - . انتهى . وقال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 1 » . يجوز أن يكون « رحمة » مفعولا له ، أي لأجل الرحمة ، ويجوز أن ينتصب على الحال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة ، وإما على حذف مضاف أي : ذا رحمة ، أو بمعنى : راحم . قاله السمين « 2 » . وقال أبو بكر بن طاهر - فيما ذكره القاضي عياض - : زين اللّه تعالى محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - بزينة الرحمة ، فكان كونه رحمة ، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق ، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه ، والواصل فيهما إلى كل محبوب ، انتهى . وقال ابن عباس : رحمة للبر والفاجر ، لأن كل نبي إذا كذب أهلك اللّه من كذبه . ومحمد أخّر من كذبه إلى الموت أو إلى القيامة . وأما من صدقه فله الرحمة في الدنيا والآخرة . وقال السمرقندي : رحمة للعالمين يعنى : الجن والإنس . وقيل : لجميع الخلق للمؤمن رحمة بالهداية ، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل ، ورحمة للكافر بتأخير العذاب . فذاته - صلى اللّه عليه وسلم - كما قيل - رحمة تعم المؤمن والكافر ، قال اللّه تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ « 3 » ، وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « إنما أنا رحمة مهداة » « 4 » رواه الدارمي والبيهقي في « الشعب » من حديث أبي هريرة . وقال بعض العارفين : الأنبياء خلقوا كلهم من الرحمة ، ونبينا - صلى اللّه عليه وسلم - عين الرحمة ، ولقد أحسن القائل : غنيمة عمر الكون بهجة عيشه * سرور حياة الدهر فائدة الدهر هو النعمة العظمى هو الرحمة التي * تجلى بها الرحمن في السر والجهر

--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 107 . ( 2 ) هو : أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحلبي ، أبو العباس شهاب الدين المعروف بالسمين ، توفى سنة ( 756 ه ) . ( 3 ) سورة الأنفال : 33 . ( 4 ) تقدم .